ابن الجوزي

369

صيد الخاطر

وفلان كان يمشي حافيا ، وفلان بقي شهرا ما أكل ، فان المحققين من هؤلاء المخلصين للّه تعالى على غير الجادة ، لأن الجادة اتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه وما كانوا يفعلون . هذا ولعمري أنه قد كان فيهم من يقنع بالمذقة من اللبن ، ويصبر الأيام عن الطعام . ولكن إما لضرورة ، أو لأنه معتاد لذلك ، كما يعتاد البدوي شرب اللبن وحده ولا يؤذيه ذلك . وفي الحديث : « عوّدوا البدن ما اعتاد » وفي المتزهدين من أخرج ماله كله عن يده زهدا . ومعلوم أن الحاجات لا تنقضي ، فلما احتاج تعرّض للطلب ، وافتقر إلى أخذ مال من يد من يعلم أنه ظالم وبذل وجهه . وقد كانت الصحابة تتجر وتحفظ المال . وجهال المتزهدين يرون جمع المال ينافي الزهد . فممخضة هذا الفصل أن أقول : ينبغي لمن رزق فهما أن يسعى في صلاح بدنه ، ولا يحمل عليه ما يؤذيه ، ولا يناوله من القوت ما لا يوافقه ، ولا يضيع ماله ، وليجتهد في استثماره لئلا يحتاج ، فإنه ما نافق زاهد إلا لأجل الدنيا . ولينظر في سير الكاملين من السلف وليتشاغل بالعلم ، فإنه الدليل . فحينئذ بحمله الأمر على الخلوة بربه ، والاشتغال بحبه ، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضجة لا فجة . واللّه الموفق . 333 - لا تضق صدرا بقلة المال ، وعليك بالصبر ما رأيت أظرف « 1 » من لعب الدنيا بالعقول . وقد سمعنا ورأينا جماعة من الفطناء الكاملي العقل لعبت بهم الدنيا حتى صاروا كالمجانين . فولوا الولايات فخرجوا إلى القتل والضرب والحبس والشتم وذهاب الدين ، والمباشرة للظلم كله لأجل دنيا تذهب سريعا . وهي في مدة اقامتها معجونة بالنغص . فيا أيها المرزوق عقلا لا تبخسه حقه ، ولا تطفئ نوره ، واسمع ما نشير به ، ولا تلتفت إلى بكاء طفل الطبع لفوات غرضه ، فإنك ان رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه ، ولم يمكنك تأديبه ، فيبلغ جاهلا فقيرا :

--> ( 1 ) يريد : أعجب وأغرب .